Mr Bellia

 

 

 

 

 

 

تخترق صفارات القطار البطيئ هدوء القرى المترامية على حافتي جبال القصور العتيقة ، ،أحاول الاقتراب من النافذة ،تجذبني أمي في محاولة لمنعي ، لم أنتبه إلى إيماءاتها ،صورة المناظر تشدني، أقترب من النافذة التي تحولت إلى حاجز شفاف يفصل بين عالمين أحدهما داخلي هادئ ساكن لا حركة فيه خال من الكلمات إلا ما كان من نظرات زائفة تحاول رصد مكامن  النوايا الخبيثة .

خلف النافذة تتراءى لي المناظر   الخلابة و العجيبة من منابع طبيعة ساحرة ، النخيل تترامى ملء عيوني الفتيتين ،  بيوت طينية مربعة تزحف نحو الأفق كأنها تزاحم السماء ، الدروب خالية من البشر لعل الوقت لا يساعد على الخروج أو ربما حرارة الجو تمنعهم .

يدلف إلى الغرفة رجل أنيق الثياب ، لا يرى منه إلا بياض وجهه ، لعله أحد عمال القطار ، يطلب التذاكر بأدب .

-         التذاكر لو سمحتم . 

 تناوله أمي التذاكر دون أن تنبس بكلمة ، حركة آلية اعتادت عليها في ظروف مماثلة ، و بخاصة في غياب أبي .

آه يا أبي ..

غادر والدي مدينة بشار  على عجالة ، أخبرتني أمي أن جدي طلبه لأمر مستعجل ، و أمره مطاع .. مر من الزمن الشيء الكثير ، أبلغنا أحد الزائرين للمدينة أنه يطلب منا اللحاق به إلى مدينة المشرية ، غضبت أمي كسرت أواني المطبخ أحرقت وجبة العشاء ، و باتت طوال الليل تتقلب في فراشها .

" أيعقل هذا ؟؟ أنترك كل شيء..و نعود مرة أخرى إلى الغبن ؟." .

مرت شهور و تلتها أخرى ، بدأ التعب ينال من أمي، كرر أبي طلبه عبر البريد البشري ، أذعنت أمي ..

عبر النافذة تبدو الشمس شديدة التألق  ، صفير القطار ينبئ بوقوفه ، يلف الجو صمت جنائزي ، محطة صغيرة يغمرها شيء يشبه الضباب ، تطل وسطها لافتة كتب عليها بخط جميل " المشرية " تحاذيها ساعة حائطية ضخمة ، لكنها معطلة ..

 المنزل الجديد يبدو كوخا ، تركنا القديم للمجهول ، مساحته شاسعة في وسطها بناية ضخمة  تلفها الأشجار من كل الجوانب ، لايعكر صفوها إلا مرور القطار بين الحين و الحين .

المنزل الجديد لا يحوي إلا غرفتين و مطبخ ،استولى أخي الأكبر على الغرفة في الطابق العلوي ، فعدت غريبا فيها .

المدينة لا تبدو عدائية ، و لا أشعر بالغربة فيها ، بل إن كل شيء فيها يوحي بذكريات أزلية لا أدرك كنهها ، الشارع الكبير يزينه المستشفى القديم ، ظنته في البداية مستشفى نظرا لشكله الهندسي الأقرب إلى المسجد منه إلى أي شيء آخر ، و لكن سرعان ما غيرت رأي حين لاحظت جموعا من الشباب داخل المبنى ، قيل لي إن المستشفى تحول إلى مقر لأبناء الشهداء .

 اندهشت كثيرا لما رأيت بعض الشباب ممن يدرسون في المقر ، يقصدون بائعا للفواكه في الجهة الشمالية من الشارع الرئيسي ، كان الأطفال يطلقون عليه إسم "بودليليع " فقد كانت جل بضاعته من البطيخ الأحمر .

-         بكم الدلاع ياعم ؟

-         دلاع أحمر ..سكر ..خذ.... ذق ..                                                                              أخذ الشاب يتذوق البطيخة ، و قبل أن يعي العم بودليليع  نوايا المشتري لاذ الشاب بالفرار و في يده قطعة البطيخ ، لحق به العم بودليليع لكنه كان أسرع ، في ذات الوقت كانت مجموعة أخرى من الشباب تتخير لها أحسن البطيخ و ألذها ، دون أن يدرك العم بودليليع الفخ الذي وقع فيه .                         

الشارع الكبير ساكن كأنه صورة فوتوغرافية، أعبره يوميا  لشراء رغيفين من مخبزة أولاد علي كما يسميها أهل المدينة ، الأمر يقلقني لأنني الأصغر لذا يجب أن أنفذ الأوامر دون نقاش ، أتسلى كثيرا حين أصل إلى مدخل الزنقة أتلذذ برؤية لافتات الأفلام السينمائية  العملاقة ، يبدو لي أن الأشخاص داخلها أحياء ينظرون إلي يخاطبونني ، يبتسمون ايتسامة ملائكية ،تتداخل الصور ببعضها تحوم حواليها كتابة خطية تشكل لوحة فنية لا أدرك حقيقتها ، أتذكر الرغيف، لكن الصورة تجذبني أسير نحو المخبزة و أنا ألتفت ورائي ، تعثرت كدت أسقط ، ولكن الصورة العملاقة ظلت تناديني ..

لم أنتبه في الأيام أو الشهور التي قضيتها هنا إلى البناية المحاذية لمحطة القطار ، مررت بها صدفة ، و أنا أتجول في الشوارع المبعثرة ، وحيدا قررت استكشاف الأماكن المحيطة  بمنزلي الجديد ، كانت وجهتي حي مانويل ، توقفت هنيهة أمام البناية العتيقة ، حتما يعود تاريخ بنائها إلى العهد الإستعماري ، "سينما لامارا "كتب على مدخل البناية،  لم أتبين العلاقة بين البناية و لافتات الأفلام التي أمر بها يوميا إلا حين اقتربت من الباب الكبير،  لاحت لي من الداخل صورة تشبه تلك التي طالما وقفت أتأملها و أناجيها بطفولتي البريئة الحالمة .

       ....................

-         أية حماقة ارتكبتها اليوم ؟

وددت أن أسأل أبي عن سر سينما لامارا ، عن الأفلام كيف تصنع ، عن عجائب الدنيا التي تتراءى للناظر من الصور العجيبة ، الكبير يدرك حقيقة كل شيء في هذا الوجود ، لطالما لقنتني أمي ّ اللي فايتك بليلة فايتك بحيلة " .

غضب أبي غضبا شديدا و نهرني ، هددني .. لا يريد سماع كلمة سينما ، فهي بيت الخلاعة لا يدخلها إلا قليلو الحياء و من لا أصل لهم .. لم أخبر أخي الأكبر بما جرى بيني و بين أبي ، سألته نفس السؤال ، لم يرد  ، اقترح علي أن أذهب معه هذا المساء لرؤية فريد الأطرش ، فضولي كان أكبر من أن أتذكر تهديدات أبي .

 حين وطأت قدماي مدخل البهو الكبير أحسست برعشة تهز أوصالي ، على الجانبين من المدخل صور عملاقة تزين القاعة و رائحة فريدة تنبعث من القاعة الداخلية المظلمة ، بدأت تتسرب إلى نفسي ، حاولت أن أرتشف هواء القاعة ، لعلي أطيل حياة هذه اللحظات الفانية في نفسي و إحساسي و ذكرياتي . 

يمر العامل بمصباحه يتحسس عثرات المشاهدين ممن تسول له نفسه التدخين أثناء عرض الفيلم ، تطفأ الأنوار ، تبث صور عملاقة من الحائط الأمامي ، تبدو مشوشة في البداية و لكن سرعان ما تمزج بالأصوات البشرية و الموسيقى مما يضفي عليها حياة و سحرا ... أعجبني فريد الأطرش كثيرا تمتعت بأنغامه العذبة ،لكنني لم أفهم القصة .       

مر على الحادثة شهر كامل ، في كل يوم منه كنت أتفادى لقاء أبي ،ظنا مني أنه بلغ بالخبر ، بعد تمام الشهر اطمأنت نفسي ، و بخاصة لما بدأت تلوح مظاهر الموسم الدراسي الجديد ، سجلني أبي في المدرسة القريبة من دارنا " مدرسة أوموسى مختار"،استقبل المدير أبي بكل حفاوة ، غمرتني فرحة كبيرة ، لكن سرعان ما تبددت فرحتي ، رفض المدير تسجيلي في المطعم المدرسي ، بحجة أنني إبن أحد تجار المدينة ..ليس لي  الحق في قطعة الشوكولاطة مثل بقية رفقائي ..ليس الحق في قطعة الخبز .. الجبن.. العدس ..اللوبيا مثل بقية الأطفال .  

أبي من أثرياء المدينة ..أه لو يعرف المدير ماذا جرى لأبي ؟                  

عثرت على ورقة تشبه الرسالة في الأيام الأولى من وصولنا إلى مدينة المشرية ، كنت أساعد أخي الأكبر على ترتيب أوراق أبي ، اخبرني أخي أن كلماتها تفوح نواحا و حزنا على المآل ، سمعته يقرا بصوت أجش :        

-" لقد افلست "..

ما أبشع هذه الكلمة ، أنا متأكد أنها مثقلة بالشر ، كان أبي تاجرا كبيرا في بشار يقصده جميع تجار المدينة .. و الآن أصبح فقيرا فقد القدرة على إعالة أبنائه و زوجته ..             

لا يعرف مدير المدرسة أن أبي أفلس ، و أنى له أن يعرف ؟ فأبي يتكتم على أمره جيدا ، أقربائي تنتابهم شكوك ، بلغ جدي استهزاء الأقرباء من وضع أبي ، في البداية غضب غضبا شديدا ، و لكن سرعان ما سكت عنه ، و قرر كراء محل تجاري زوده ببعض السلع من المواد الغذائية ..و هكذا عاد أبي تاجرا.... تقريبا ..                             أتذكر جيدا رغد العيش ببشار ، ومن الغريب أن التحول من حياة الغنى إلى الفقر لم يؤثر في و لا في أخي الأكبر ، بل إن الأمر بدا لنا عاديا فأغلب سكان المدينة فقراء  ..

رفقائي في المدرسة يتهمونني بالغنى ، أدركوا الحقيقة حين لم يجدوا اسمي في قائمة المطعم المدرسي ، فالأغنياء متكبرون و لا يرضون بفتات الأكل الذي تكتسي به موائد المطعم ، رفقائي أصبحوا يظهرون لي العداء الصريح ، لم أفهم موقفهم ..

مرت الأيام متتالية ، يلفها برد قارس ، برد المنطقة سم قاتل  ، بدأ الأمر يتجلى شيئا فشيئا، كان المعلم بوطالب يطيل في وصف الأغنياء يشبههم بالشياطين المردة ، تأثرت بما يقوله معلمي..

- " كل غني ليس له الحق في العيش معنا حررنا البلاد من الأعداء و سنخلصها من الإقطاعيين.."

لكنني لست كذلك ، كان المعلم يخاطبنا بلهجة شديدة،  خيل لي في لحظة اندهاش أنه ينعتني بعينيه الزائغتين ، حاولت الهروب من نظراته اختبأت وراء التلميذ الجالس في الطاولة الأمامية و لكنه ظل يحذق في...

" أه لو يفهم المعلم و المدير أننا أصبحنا فقراء .. لا أفهم ..أنا طفل مثل بقية الأطفال ، و لي الحق في العيش ".

..................

سأرتكب حماقة ثانية ..

بتردد كبير أخبرت والدي عما حدث ، و سألته :

-         هل أنت إقطاعي يا أبي ؟؟

تبسم أبي ثم ما لبث أن أبانت ثناياه عن ضحكة هستيرية ، بدأت أشك في قدراته العقلية ، ربما لا يكون الأكبر سنا أعلم بحقيقة الأشياء بالضرورة ، لما هدأ أبي بين لي أن الفقر يفعل فعله العجيب في الناس ، و ما إن تتبدل أحوالهم إلى أحسن سيتنكرون لما كانوا يقولونه  .

-         سوف ترى يا بني حديث هؤلاء الناس بعد عشر سنوات أو خمسة عشر ..

أدركت في هذه اللحظة أن أبي بدأ يهذي ، لم يذق الحرمان في حياته الماضية لهذا لا يعرف إحساس الفقراء  ، و لكنه ردد في خفوت :

 

 

 

- ستغير الحياة هؤلاء الناس..إنهم لا يؤمنون يقينا بما يقولون ...أنا متأكد..

 

à suivre